سيد محمد طنطاوي
288
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
كقوم لوط ، فهؤلاء الأقوام كذبوا أنبياءهم فدمرهم اللَّه - تعالى - تدميرا ، فاحذروا أن تسيروا على نهجهم بأن تقصدوا موسى - عليه السلام - بالقتل أو الإيذاء ، فينزل بكم العذاب مثل ما نزل بهم . * ( ومَا اللَّه ) * - تعالى - * ( يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ ) * أي : فما أنزله - سبحانه - بهم من عذاب ، إنما هو بسبب إصرارهم على شركهم . وعلى الإعراض عن دعوة أنبيائهم ، وما ظلمهم اللَّه ولكن كانوا أنفسهم يظلمون . ثم يواصل الرجل المؤمن تذكير قومه بأهوال يوم القيامة فيقول : * ( ويا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ ) * . أخاف عليكم يوم القيامة الذي يكثر فيه نداء أهل الجنة لأهل النار . ونداء أهل النار لأهل الجنة ، ونداء الملائكة لأهل السعادة وأهل الشقاوة . فلفظ « التناد » - بتخفيف الدال وحذف الياء - تفاعل من النداء ، يقال : تنادى القوم ، إذا نادى بعضهم بعضا . . وقوله : * ( يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّه مِنْ عاصِمٍ . . . ) * بدل من يوم التناد . أي : أخاف عليكم من أهوال يوم القيامة ، يوم تنصرفون عن موقف الحساب والجزاء فتتلقاكم النار بلهيبها وسعيرها ، وتحاولون الهرب منها فلا تستطيعون . لأنه لا عاصم لكم ولا مانع في هذا اليوم من عذاب اللَّه - تعالى - وعقابه . * ( ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ هادٍ ) * أي : ومن يضلله اللَّه - تعالى - عن طريق الحق بسبب سوء استعداده ، واستحبابه العمى على الهدى . فما له من هاد يهديه إلى الصراط المستقيم . وهكذا نجد الرجل المؤمن بعد أن خوف قومه من العذاب الدنيوي ، أتبع ذلك بتخويفهم من العذاب الأخروى . ثم ذكرهم بعد ذلك بما كان من أسلافهم مع أحد أنبيائهم فقال : * ( ولَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِه ، حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّه مِنْ بَعْدِه رَسُولًا ) * . والذي عليه المحققون أن المراد بيوسف هنا : يوسف بن يعقوب - عليهما السلام - والمراد بمجيئه إليهم : مجيئه إلى آبائهم ، إذ بين يوسف وموسى - عليهما السلام - أكثر من أربعة قرون ، فالتعبير في الآية الكريمة من باب نسبة أحوال الآباء إلى الأبناء لسيرهم على منوالهم وعلى طريقتهم في الإعراض عن الحق .